الحجر الخام يفجّر مواجهة داخل الغرف التجارية.. النبالي اتحاد الغرف خرج عن دوره "الحكم المحايد"
2026-09-19
الرابعة نيوز_ رام الله - تقرير معا - لم يعد الخلاف حول تصدير الحجر الخام الفلسطيني إلى الأردن محصوراً في سؤال: هل يستمر التصدير أم يتوقف؟ فبعد أشهر من الجدل حول الكميات المصدّرة، والكوتا، وصلاحيات وزارة الاقتصاد واتحاد صناعة الحجر والرخام، انتقل الخلاف إلى داخل منظومة الغرف التجارية نفسها، بعدما أصدر رئيس اتحاد الغرف التجارية الصناعية الزراعية الفلسطينية عبدُه إدريس كتاباً إلى غرفة تجارة وصناعة بيت لحم يتعلق بإصدار شهادات المنشأ للحجر الخام المصدّر إلى الأردن.
وفي كتاب مؤرخ في 16 أيلول/سبتمبر الجاري، وموجّه إلى رئيس غرفة تجارة وصناعة بيت لحم الدكتور سمير حزّون، طلب إدريس عدم إصدار شهادة منشأ لأي من الشركات المدرجة في الكتب المرسلة إلى الغرفة والموجّهة من وزارة الاقتصاد الوطني، إلا بعد الحصول على كتاب من اتحاد الحجر والرخام.
الكتاب، الذي حصلت "معا" على نسخة منه، حمل عنوان "تعميم بخصوص إصدار شهادة المنشأ للحجر المنشىء للحجر الخام الخاص بالتصدير إلى الأردن"، وجاء فيه أن اتحاد الغرف "يناشد" الغرف المعنية عدم إصدار شهادة المنشأ للشركات المعنية إلا بعد الحصول على كتاب من اتحاد الحجر والرخام، كما طلب من رئيس غرفة بيت لحم "التكرم بالإيعاز لمن يلزم للعمل بمضمون هذا الكتاب".
لكن هذا الإجراء فتح مواجهة جديدة، ليس فقط حول الحجر الخام، وإنما حول حدود صلاحيات كل من وزارة الاقتصاد، واتحاد الغرف، والغرف التجارية، والاتحادات القطاعية في إدارة التجارة الخارجية الفلسطينية.
النبالي: قرار مرفوض وتجاوز لصلاحيات وزارة الاقتصاد
محمد زيد النبالي، نائب رئيس غرفة تجارة وصناعة محافظة رام الله والبيرة، هاجم الكتاب بشدة، معتبراً أن ما صدر عن رئيس اتحاد الغرف يمثل تجاوزاً لصلاحيات وزارة الاقتصاد الوطني وتدخلاً في عمل الغرف التجارية.
وقال النبالي إن الكتاب المتعلق بعدم إصدار شهادات المنشأ إلا بموافقة اتحاد الحجر والرخام يمثل "اعتداءً على صلاحيات وزارة الاقتصاد وتقويضاً لعمل الغرف التجارية لصالح مؤسسة بالاصل تتبع بعضوية أعضائها للغرف".
وطالب بسحب الكتاب المرسل إلى الغرف "فوراً"، مؤكداً أن الغرف التجارية "سيدة نفسها وتعمل ضمن القانون والأصول فقط"، على حد تعبيره.
وأضاف: "ممنوع تهميش أعضاء مجالس الغرف بقرار فردي"، قبل أن يقول في انتقاد مباشر لطريقة إدارة الملف: "الغرف التجارية مش دكان عند أي عضو مجلس"، محذراً مما وصفه بـ"المحسوبيات على حساب القانون وتهميش الغرف".
ويطرح موقف النبالي سؤالاً قانونياً وإدارياً أساسياً: هل يستطيع رئيس اتحاد الغرف إلزام غرفة تجارية بعدم إصدار شهادة منشأ بناءً على طلب اتحاد قطاعي، أم أن إصدار شهادات المنشأ يخضع حصراً للجهة صاحبة الاختصاص والإجراءات التي تقررها وزارة الاقتصاد؟
محمد زياد النبالي نائب رئيس غرفة تجارة وصناعة محافظة رام الله والبيرةوزاد في حديثه: "رئيس اتحاد الغرف يترأس مجلساً تنسيقياً للغرف، وليس "رئيساً تنفيذيا" يملك سلطة إصدار أوامر تنفيذية ملزمة لغرفة بيت لحم أو رام الله فيما يخص المعاملات اليومية لأعضائها (مثل شهادات المنشأ) وطلبُه عدم إصدار شهادة منشأ إلا بموافقة اتحاد الحجر والرخام يُعتبر قانونياً "تعدياً على الاستقلال الإداري للغرفة" وخلق شرط إجرائي جديد لم ينص عليه القانون".
واضاف: "هذا التدخل أظهر رئيس الاتحاد بمظهر المنحاز لقطاع المصانع (اتحاد الحجر) ضد قطاع المصدرين والمحاجر، وهو ما أفقد الاتحاد دور "الحكم المحايد" في تنظيم الاقتصاد ".
قصة بدأت من "الذهب الأبيض"
الخلاف الحالي ليس وليد الأيام الأخيرة. ففي أيار/مايو الماضي، نشرت "معا" تقريراً بعنوان "الذهب الأبيض.. خلاف متصاعد حول تصدير الحجر الخام إلى الأردن"، وقد رصد فيه خلافاً داخل قطاع الحجر والرخام بشأن تصدير الحجر الخام إلى السوق الأردنية، بعد مطالبة اتحاد صناعة الحجر والرخام وزارة الاقتصاد الوطني بوقف التصدير، في مقابل اعتراض مصدرين على الخطوة.
وفي ذلك التقرير، ظهر أن القضية تتجاوز مسألة التصدير نفسها إلى سؤال أكبر يتعلق بالجهة التي تملك قرار الحسم: هل هو اتحاد صناعة الحجر باعتباره الممثل القطاعي، أم وزارة الاقتصاد الوطني باعتبارها المرجعية الرسمية، أم أن تعدد الاتحادات والجهات الممثلة للقطاع بات يفرض صيغة مختلفة لاتخاذ القرار؟وكان اتحاد صناعة الحجر قد طالب حينها بوقف تصدير الحجر الخام إلى الأردن، مستنداً إلى ما قال إنه خسارة في القيمة المضافة وفرص العمل نتيجة تصدير المادة الخام بدلاً من تصنيعها محلياً، فيما اعترض مصدرون على أي قرار أحادي يهدد السوق الأردني، محذرين من انعكاساته على القطاع وعلاقاته التجارية.
في المقابل وضمن صلاحيتها قامت وزارة الاقتصاد الوطني، بمنح اذونات تصدير للحجر الخام لعدد من المصدرين، والذين باشروا بعمليات التصدير.
700 كوب شهرياً.. رقم أشعل الخلاف
وبحسب ما نشرته "معا" في أيار، كانت تفاهمات سابقة بين وزارة الاقتصاد واتحاد صناعة الحجر تنظم تصدير نحو 700 كوب شهرياً من الحجر الخام إلى الأردن، أي ما يقارب 8400 كوب سنوياً.
ومع اتساع الخلاف، دخل اتحاد الصناعات الإنشائية على خط الملف، مطالباً بالحصول على جزء من الكوتا، فيما ظل السؤال الأساسي قائماً حول الجهة صاحبة القرار النهائي في تنظيم هذه الكميات.
ولم يكن الأردن في هذه المعادلة مجرد سوق لتصريف الحجر الخام، إذ وصف التقرير السابق السوق الأردني بأنه حلقة مهمة في سلسلة التصدير الفلسطينية، وبوابة نحو أسواق أوسع، خصوصاً في الخليج.
وفي حزيران/يونيو، أكد اتحاد الصناعات الإنشائية أن السوق الأردني سيبقى مفتوحاً أمام المنتجين الفلسطينيين المستوفين للشروط القانونية، وشدد على أن قرارات التصدير من اختصاص الحكومة الفلسطينية ووزارة الاقتصاد الوطني، معتبراً أن استمرار التصدير يحافظ على حضور المنتج الفلسطيني في الأسواق العربية.
شاحنة تحمل حجر خام للتصدير الى الاردن
من وقف التصدير إلى شهادة المنشأ
الجديد في المواجهة الحالية أن الخلاف انتقل من محاولة التأثير في قرار التصدير إلى آلية التعامل مع شهادة المنشأ، وهي وثيقة أساسية في حركة التجارة الخارجية.
ففي الوقت الذي يرى فيه النبالي أن وزارة الاقتصاد هي صاحبة الولاية على قرار التصدير، وأن الغرف تعمل وفق القانون والأصول، جاء كتاب رئيس اتحاد الغرف ليطلب من غرفة بيت لحم عدم إصدار شهادات منشأ للشركات المعنية إلا بعد الحصول على كتاب من اتحاد الحجر والرخام.
وبالتالي، فإن السؤال لم يعد فقط: هل يصدر الحجر الخام إلى الأردن؟ بل أصبح أيضاً: من يملك حق وضع الشرط الذي يسبق إصدار شهادة المنشأ؟
وهل يمثل الكتاب الصادر عن اتحاد الغرف إجراءً تنظيمياً داخلياً لحماية قطاع الحجر وضبط عملية التصدير، أم أنه ينشئ عملياً شرطاً إضافياً على المصدرين لا تملكه إلا الجهة الرسمية المختصة؟
وسواء التزم رئيس غرفة تجارة وصناعة محافظة بيت لحم بتنفيذ الكتاب الصادر عن رئيس اتحاد الغرف التجارية الصناعية الزراعية الفلسطينية أم لم يلتزم به، فإن المتتبع لمجريات هذا الملف يرى تقارباً واضحاً بين موقف مجلس إدارة اتحاد الحجر والرخام وموقف رئيس اتحاد الغرف التجارية الصناعية الزراعية الفلسطينية، وفق ما يقوله النبالي.
ويذهب النبالي إلى أن هذا التقارب لا يمكن فصله عن الخلاف السابق بين اتحاد صناعة الحجر ووزارة الاقتصاد بشأن تصدير الحجر الخام إلى الأردن.
وقال النبالي إن "هذا التقارب بينهما يدل على أن رئيس اتحاد الغرف نصب نفسه محامياً وقاضياً نيابة عن اتحاد الحجر، بعد فشل الاتحاد في الضغط على وزير الاقتصاد الوطني لمنع تصدير الحجر الخام".
وطالب وزير الاقتصاد الوطني، بـ"وقف تدخلات رئيس اتحاد الغرف في العلاقات الاقتصادية التاريخية مع الاردن.
ما جدوى هذا التعميم؟
ويضع النبالي توقيت الكتاب في إطار أكثر حساسية، معتبراً أن صدوره يأتي في وقت يسعى فيه اتحاد الغرف ومؤسسات اقتصادية فلسطينية وأردنية إلى تعزيز العلاقات التجارية مع الأردن، وليس تقليصها.
وقال إن هذا التصرف "يأتي في وقت حساس ودقيق، ويحمل في طياته أبعاداً خطيرة". متسائلاً عن جدوى هذه الإجراءات، خصوصاً أنها تأتي، وفق قوله، قبل أقل من شهر على إقامة معرض للصناعات الفلسطينية في العاضمة الآردنية عمان.
وأضاف: "أنا كمواطن فلسطيني ونائب رئيس غرفة تجارة وصناعة محافظة رام الله والبيرة، أعتذر لإخوتنا في الأردن عن هذا التصرف غير المسؤول".
ويعكس هذا التصريح حجم الحساسية التي بات يحملها الملف بالنسبة للعلاقات الاقتصادية الفلسطينية الأردنية، خصوصاً بعدما حذر مصدرون في وقت سابق من أن خسارة السوق الأردني لا تعني فقدان سوق مباشر فقط، وإنما قد تؤثر على سلسلة أوسع من العلاقات والأسواق التي تمر عبر الأردن.
لكن ماذا يقول اتحاد الحجر؟
في المقابل، لا يمكن قراءة الكتاب الأخير بمعزل عن موقف اتحاد صناعة الحجر والرخام، والذي طالب بإدارة الملف وفق الإجراءات التي كانت معمولاً بها سابقاً، مستنداً إلى ما وصفه بقرار وزاري يمنحه حق إدارة ملف تصدير الحجر الخام ضمن الحصص المخصصة للتصدير إلى الأردن.
كما أكد الاتحاد أن اعتراضه لا يتعلق بالجانب الإجرائي فقط، وإنما بما يعتبره آثاراً اقتصادية لتصدير المادة الخام، من حيث القيمة المضافة وفرص العمل واستمرارية المنشآت الصناعية والحصول على المواد الخام اللازمة للإنتاج.
المواجهة أكبر من شهادة منشأ
وهكذا، يبدو أن ملف الحجر الخام دخل مرحلة جديدة من الصراع. ففي البداية كان الخلاف حول هل ينبغي وقف تصدير الحجر الخام إلى الأردن أم الاستمرار فيه؟ ثم أصبح الخلاف حول الكوتا ومن يحق له الاستفادة منها وإدارتها.
واليوم، انتقل جزء من المواجهة إلى شهادة المنشأ نفسها، ومن يملك سلطة التحكم في إصدارها والشروط المطلوبة للحصول عليها.
وبين وزارة الاقتصاد الوطني، واتحاد صناعة الحجر والرخام، واتحاد الصناعات الإنشائية، واتحاد الغرف التجارية الصناعية الزراعية، والغرف التجارية، يجد المصدر الفلسطيني نفسه أمام شبكة متداخلة من الجهات والمواقف.
وهنا تبرز القضية الأهم التي بدأت "معا" بطرحها منذ تقرير "الذهب الأبيض": هل الخلاف في فلسطين على الحجر نفسه، أم على من يملك القرار في قطاع الحجر؟
فالكتاب الأخير لا يوقف تصدير الحجر الخام إلى الأردن بحد ذاته، لكنه يضيف حلقة جديدة إلى سلسلة الخلافات حول إدارة هذا الملف. وفي المقابل، فإن اعتراض النبالي لا يقتصر على مضمون الكتاب، وإنما يطعن في حدود الصلاحية التي استند إليها رئيس اتحاد الغرف في توجيه غرفة تجارية بشأن وثيقة مرتبطة بالتجارة الخارجية.
وبينما يتصاعد الخلاف بين المؤسسات والاتحادات، يبقى الحسم في سؤالين: ما هو الأساس القانوني الذي استند إليه كتاب اتحاد الغرف؟ ومن صاحب الولاية النهائية على تنظيم تصدير اي سلعة وبضمنها الحجر الخام وإصدار شهادات المنشأ؟
وهما سؤالان لا يمكن حسمهما بالبيانات المتبادلة، وإنما بالعودة إلى القانون والقرارات الوزارية الناظمة للتصدير، والصلاحيات المحددة لكل جهة.
ويعيد النبالي بهذا الموقف إلى الواجهة قضية فصل الصلاحيات بين الغرف التجارية والاتحادات الصناعية التخصصية، وهي قضية أوسع من الخلاف الحالي حول تصدير الحجر الخام، معتبراً أن تداخل الأدوار بين الطرفين يفتح الباب أمام مثل هذه النزاعات حول من يملك القرار ومن يملك حق توجيه الغرف.
وطالب النبالي رئيس الوزراء بالتدخل لتحقيق العدالة وحسم ملف الصلاحيات، داعياً إلى نشر المرسوم الرئاسي المتعلق بفصل صلاحيات الغرف التجارية عن الاتحادات الصناعية التخصصية في الجريدة الرسمية، بما يضع حداً، بحسب موقفه، لحالة التداخل القائمة ويحدد بصورة واضحة اختصاص كل جهة، خصوصاً في الملفات التي تمس التجارة الخارجية وشهادات المنشأ وحقوق المصدرين.