الفلسطينيون لا يستطيعون حكم أنفسهم!

2026-10-12
هل تأجيل الانتخابات يصبّ في مصلحة فلسطين أم يُبقي قرارها السياسي في أيدي الآخرين؟

تحقيق خاص -وكالة معا- في أبريل/ نيسان 2025، وبينما كانت الحروب تعيد رسم التوازنات السياسية في الشرق الأوسط وأوروبا، اجتمعت في لندن مجموعة من المستشارين المرتبطين بعدد من الدول الغربية، من أوروبا وكندا وأستراليا، لمناقشة قضايا دولية وتقديم تقديرات سياسية بشأن مستقبل المنطقة بعد الحرب الروسية الأوكرانية والحرب في غزة والمواجهة بين إسرائيل وحزب الله والحرب الاقتصادية بين الصين وامريكا وقرارات ترامب المرتبطة بالرسوم الجمركية واحتمالية الحرب مع إيران.

وبحسب شهادة أدلى بها أحد المشاركين لوكالة (معا)، التي تحتفظ بهويته، فقد طُرحت خلال النقاشات مسألة مستقبل الحكم الفلسطيني، وكان التقييم الذي نقله المصدر صادماً: "الشعب الفلسطيني لا يستطيع حكم نفسه؛ فنصفه فاسد، والمقصود السلطة الفلسطينية، والنصف الآخر إرهابي، والمقصود حركة حماس".

وفق رواية المصدر، قاد هذا التقييم إلى طرح فكرة إخضاع الفلسطينيين لشكل من أشكال الإدارة أو الإشراف الخارجي.

فما مدى تبني الدول التي شاركت لهذه التوصية وهل هناك قرار غربي موحد بفرض وصاية على الفلسطينيين. لنفتح باباً لفحص ما حدث بعد ذلك: هل أخذت السياسة الدولية تتجه فعلياً نحو إدارة الفلسطينيين بدلاً من تمكينهم من حكم أنفسهم؟

بعد أشهر، أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب خطته لغزة، ثم أُنشئ (مجلس السلام) برئاسته للإشراف على الترتيبات الانتقالية للقطاع. وفي مسار دبلوماسي موازٍ، قادت فرنسا والسعودية مبادرة للاعتراف بالدولة الفلسطينية، ترافقها مطالب بإصلاح مؤسسات السلطة وتجديد شرعيتها.

وبين المسارين، كان الفلسطينيون أمام فرصة نادرة: تحويل الاعتراف الدولي بالدولة إلى شرعية شعبية مستمدة من صندوق الاقتراع، واستخدام الانتخابات لإعادة وصل القدس والضفة الغربية وقطاع غزة سياسياً، بعد سنوات من الانقسام والحرب وتعطيل المؤسسات.

لكن في 10 أكتوبر/ تشرين الأول 2026، أصدر الرئيس محمود عباس مرسوماً ألغى موعد الانتخابات التشريعية المقرر في 28 نوفمبر/تشرين الثاني، وحدد 11 سبتمبر/أيلول 2027 موعداً جديداً لإجراء الانتخابات الرئاسية والتشريعية معاً.

وبررت الرئاسة قرارها بالعراقيل الإسرائيلية وتدهور الأوضاع الأمنية والسياسية والاقتصادية، مؤكدة أنه جاء بعد مشاورات مع الفصائل والقوى الفلسطينية.

وهنا يصبح السؤال أكبر من مجرد تأجيل اقتراع أحد عشر شهراً: من الذي استفاد من قرار التأجيل؟ هل حمى القرار حق الفلسطينيين في انتخابات حرة وشاملة، أم منح القوى المحلية والخارجية مزيداً من الوقت لإدارة القضية الفلسطينية دون تفويض انتخابي جديد من أصحابها؟

من نقاشات لندن إلى نظام الإشراف الدولي على غزة

لم تعد المخاوف من تحويل الفلسطينيين إلى شعب يُدار من الخارج مجرد تقديرات سياسية نظرية.

ففي 29 سبتمبر/أيلول 2025، أعلن ترامب خطته لإنهاء حرب غزة. وفي 17 نوفمبر/تشرين الثاني من العام نفسه، تبنى مجلس الأمن الدولي القرار 2803، الذي رحب بإنشاء (مجلس السلام) بوصفه إدارة انتقالية ذات شخصية قانونية دولية، تتولى وضع الإطار العام لإعادة إعمار قطاع غزة وتنسيق تمويله.

ونص القرار على أن تكون إدارة الخدمات اليومية بيد لجنة فلسطينية من التكنوقراط، تعمل تحت الإشراف والرقابة الدوليين، إلى حين استكمال السلطة الفلسطينية برنامج الإصلاح وتمكنها من استعادة السيطرة على القطاع بصورة آمنة وفعالة.

وفي يناير/كانون الثاني 2026، تحولت هذه الترتيبات إلى بنية مؤسسية، مع تشكيل مجلس السلام واعتماد ميثاقه برئاسة ترامب.

هذا لا يعني قانونياً أن غزة عادت إلى نظام الانتداب الاستعماري القديم. لكن ثمة واقعاً لا يمكن تجاهله: أصبحت سلطة تحديد شكل الإدارة الانتقالية، وآليات التمويل، وجوانب أساسية من مستقبل الحكم في غزة، مرتبطة بهيئة دولية لا تستمد شرعيتها من انتخابات فلسطينية مباشرة.

بل إن تقرير مجلس السلام المقدم إلى مجلس الأمن في مايو/أيار 2026 تحدث عن لجنة فلسطينية تكنوقراطية، برئاسة علي شعث، وعن ممثل دولي رفيع لغزة هو نيكولاي ملادينوف، وعن ترتيبات أمنية وإدارية واقتصادية مرتبطة بتنفيذ الخطة.

إطلاق الإطار المؤسسي لمجلس السلام في دافوس، يناير 2026

وتزداد أهمية هذه الحقيقة عند قراءة ما جرى خلال العام الأول من تنفيذ الخطة. فبحسب تقرير لصحيفة واشنطن بوست نشر في 8 أكتوبر 2026، واجهت مشاريع إعادة الإعمار والانتقال الإداري عراقيل إسرائيلية، رغم وجود أموال ومشاريع أُعدت مسبقاً. كما أفادت رويترز باستمرار الاحتلال الإسرائيلي لمساحات واسعة من القطاع، وتعثر ترتيبات نزع السلاح والانسحاب وإعادة الإعمار.

بمعنى آخر، فإن النفوذ الأمريكي الواسع على الترتيبات الانتقالية لا يعني أن واشنطن تستطيع تنفيذ كل قراراتها دون إسرائيل. لكنه يوضح أن الفلسطينيين أنفسهم لا يملكون السيطرة الكاملة على القرار المتعلق بمستقبل غزة.

وتظهر الإمارات العربية ضمن الدول المنخرطة في التحركات الإقليمية المتعلقة بغزة، كما تشكل علاقتها بمحمد دحلان وتيار الإصلاح الديمقراطي جزءاً مهماً من المشهد الفلسطيني

نقل مصدر وسيط بأن إسرائيل أبلغته بنقل رسالة لدحلان، رفضها لتحالفه مع حماس، ومع ذلك، فإن احتمال التقارب الانتخابي بين تيار دحلان وحماس ليس افتراضاً بلا أساس؛ إذ ذكرت أسوشيتد برس، قبل قرار التأجيل، أن محادثات كانت تجري بشأن تحالف انتخابي محتمل يضم حماس والجهاد الإسلامي وتيار دحلان، وأن هذا التطور زاد تعقيد المشهد الانتخابي.

هنا برز دور الإمارات بترجمة موقف دحلان بأن إدخال حماس في إطار السلطة أفضل من تركها خارج النظام السياسي، فتصبح قوى غير منضبطة أقرب للداعشية.

السؤال الذي يفرض نفسه: إذا كانت هذه القوى تبحث بالفعل عن شراكة انتخابية، فلماذا يؤدي التقارب إلى مزيد من التأجيل بدلاً من اختبار حجمه الحقيقي في الانتخابات؟

فرنسا والسعودية.. هل الاعتراف بالدولة أصبح مشروطاً بإصلاح السلطة؟

الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون في الأمم المتحدة خلال إعلان الاعتراف الفرنسي بالدولة الفلسطينية، سبتمبر 2025.

بينما كانت الولايات المتحدة تتجه نحو صياغة إطار الإدارة الانتقالية لغزة، قادت فرنسا والمملكة العربية السعودية مساراً دولياً مختلفاً عنوانه الاعتراف بالدولة الفلسطينية وإحياء حل الدولتين.

فقد عقدت الدولتان مؤتمراً دولياً في نيويورك بين 28 و30 يوليو/تموز 2025، ثم اعتمدت الجمعية العامة للأمم المتحدة (إعلان نيويورك) في 12 سبتمبر/أيلول بأغلبية 142 دولة.

وفي 22 سبتمبر/أيلول 2025 أعلن الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون اعتراف بلاده بدولة فلسطين. غير أن الاعتراف لم يكن منفصلاً عن مستقبل النظام السياسي الفلسطيني.

ففي الفقرة 22 من إعلان نيويورك، رحبت الدول بتعهد الرئيس محمود عباس إجراء انتخابات عامة ورئاسية، في جميع الأراضي الفلسطينية المحتلة بما فيها القدس الشرقية، خلال سنة واحدة، وتحت رعاية دولية.

كما اشترط الإطار السياسي منافسةً بين أطراف فلسطينية تحترم البرنامج السياسي لمنظمة التحرير والتزاماتها الدولية وقرارات الأمم المتحدة، ومبدأ وحدة الدولة والحكومة والقانون والسلاح.

أما الفقرة 21، فقد ركزت على إصلاح السلطة الفلسطينية وتعزيز الشفافية والحوكمة والاستدامة المالية.

إذن، لم يكن الحديث عن الانتخابات تفصيلاً دبلوماسياً، بل جزءاً من تصور دولي لسلطة فلسطينية مجددة، تستطيع المطالبة بتمثيل سياسي وطني أمام العالم.

وقد أكد ماكرون هذا الربط في خطابه أمام الأمم المتحدة عندما قال إن عباس تعهد بإصلاح الحكم الفلسطيني، وإن فرنسا ستراقب تنفيذ الالتزامات التي قُدمت لها.

هنا تظهر مفارقة لافتة: فرنسا دعمت الاعتراف بدولة فلسطين، لكنها ربطت نجاح المسار السياسي بمؤسسات فلسطينية معاد بناؤها. فهل تستطيع هذه المؤسسات الحصول على شرعية حقيقية إذا استمرت الانتخابات في التأجيل؟

لماذا غضبت فرنسا؟

الإجابة تكمن في البيان الرسمي الصادر عن الخارجية الفرنسية في 11 أكتوبر/تشرين الأول 2026.

فلم تستخدم باريس لغة دبلوماسية محايدة، بل أعلنت أسفها للتأجيل، واعتبرت أنه يحرم الفلسطينيين مرة أخرى من التعبير الديمقراطي عن إرادتهم.

وطالبت السلطات الفلسطينية بإعادة النظر في القرار وإجراء الانتخابات الرئاسية والتشريعية بأسرع وقت.

والأكثر دلالة أنها ربطت مواصلة دعم بناء مؤسسات الدولة الفلسطينية بتنفيذ الالتزامات المقدمة في سياق الاعتراف.

وهذا لا يثبت أن فرنسا تملك (وصاية) قانونية على السلطة، ولكنه يؤكد امتلاكها أدوات ضغط سياسية ودبلوماسية مهمة، وأن تجديد الشرعية الانتخابية أصبح أحد المعايير التي تقيس بها باريس التزام القيادة الفلسطينية بوعودها.

ولذلك لا يبدو الخلاف الفرنسي مع السلطة خلافاً تقنياً على تاريخ الاقتراع. بل يتعلق بمصداقية المشروع السياسي الذي روجت له باريس أمام المجتمع الدولي.

1.6 مليار يورو... دعم للفلسطينيين أم وسيلة ضغط على السلطة؟

في 14 أبريل/نيسان 2025، أعلنت المفوضية الأوروبية برنامج دعم متعدد السنوات بقيمة تصل إلى 1.6 مليار يورو للفترة 2025–2027.

ويستهدف البرنامج تعزيز قدرة الفلسطينيين على الصمود ودعم الخدمات والمؤسسات والاقتصاد الفلسطيني، ضمن شراكة مرتبطة ببرنامج الإصلاح الذي تقدمه السلطة.

لكن هذا المبلغ لا يمثل شيكاً نقدياً مفتوحاً بقيمة 1.6 مليار يورو يمكن تحويله بالكامل إلى خزينة السلطة.

فبحسب المفوضية الأوروبية، يتضمن البرنامج نحو 620 مليون يورو من المساعدات المباشرة للميزانية، ودعماً للخدمات واللاجئين ومشاريع التعافي، إلى جانب تمويل يمكن أن يصل إلى 400 مليون يورو على شكل قروض من بنك الاستثمار الأوروبي للقطاع الخاص، تخضع لموافقات إضافية.

كما يتضمن البرنامج آلية لمتابعة تنفيذ إصلاحات السلطة وتعزيز الشفافية أمام المانحين. هذه التفاصيل مهمة لأنها تحدد طبيعة التأثير الأوروبي.

فالاتحاد الأوروبي ليس مجرد ممول خارجي، بل شريك مؤثر في إصلاح الإدارة الفلسطينية ومؤسساتها وقدرتها المالية. لكنه أيضاً ليس صاحب سلطة قانونية لتعيين القيادة الفلسطينية أو اختيار ممثلي الشعب بدلاً عنه.

الخطر يبدأ عندما تصبح المساعدات والإصلاحات الخارجية بديلاً عن المساءلة الشعبية الداخلية.

فالسلطة التي تقدم تقارير الإنجاز للمانحين، لكنها لا تواجه الناخبين، قد تنجح في الوفاء بشروط التمويل دون أن تعالج أزمة الثقة بينها وبين المجتمع الفلسطيني.

ومن هنا يصبح السؤال مشروعاً: لمن تقدم المؤسسة الفلسطينية كشف حسابها أولاً؛ للمواطن الذي يفترض أن يمنحها التفويض، أم للمانح الذي يوفر لها الموارد؟

رسالة حسين الشيخ إلى باريس.. هل كانت محاولة لاحتواء أزمة دبلوماسية؟

قبل صدور مرسوم التأجيل بيوم واحد، وتحديداً في 9 أكتوبر/تشرين الأول 2026، نشرت رويترز تفاصيل رسالة وجهها نائب الرئيس الفلسطيني حسين الشيخ إلى وزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو.

تحدثت الرسالة، وفق ما نقلته الوكالة، عن تدهور الظروف السياسية والأمنية والاقتصادية، وصعوبة ضمان انتخابات شاملة وحرة ونزيهة، في ظل القيود الإسرائيلية والانقسام الفلسطيني واستمرار الأزمات في غزة والضفة الغربية.

وأشارت كذلك إلى أن التطورات المرتبطة بمبادرة ترامب والقرارات الدولية لم تُحدث التحسن المأمول في الظروف اللازمة للعملية الانتخابية.

توقيت الرسالة بالغ الدلالة. فباريس كانت قد جعلت الانتخابات أحد الالتزامات الرئيسية المرافقة للاعتراف بالدولة الفلسطينية، ثم تلقت، قبل الإعلان الرسمي، رسالة تشرح لماذا لن تُنفذ الانتخابات في موعدها.

وقد تُقرأ الرسالة باعتبارها محاولة دبلوماسية لإقناع فرنسا بمبررات التأجيل أو التخفيف من تداعياته. لكن الجزم بأنها أُرسلت حصراً لامتصاص غضب فرنسي متوقع يتطلب الاطلاع على المراسلات الكاملة والاتصالات التي سبقتها.

والنتيجة التي نعرفها الآن أن الرسالة لم تمنع صدور اعتراض فرنسي علني في اليوم التالي للمرسوم.

هنا يتولد سؤال آخر: إذا كانت القيادة الفلسطينية تتوقع اعتراض فرنسا، وتعرف أهمية الانتخابات لمشروع الاعتراف بالدولة، فما المكاسب التي رأت أنها تستحق تحمل هذه الخسارة الدبلوماسية؟

إسرائيل وغزة والقدس.. عقبات حقيقية أم مبررات كافية للتأجيل؟

لا يمكن إجراء تحقيق جاد في الانتخابات الفلسطينية دون الاعتراف بوجود عقبات فعلية تفرضها إسرائيل.

فإسرائيل تسيطر على المعابر وحركة الأشخاص والبضائع في مناطق واسعة، وتفرض قيوداً على النشاط السياسي الفلسطيني في القدس الشرقية، بينما تعاني غزة من دمار واسع وانهيار أجزاء كبيرة من البنية التحتية واستمرار التوتر الأمني.

وقد أشارت تقارير رويترز وأسوشيتد برس إلى هذه العراقيل، وإلى الصعوبات التي تواجه عمل لجنة الانتخابات والمرشحين والمراقبين.

لكن الاعتراف بوجود العراقيل لا يجيب وحده عن السؤال الأهم: هل يستوجب وجودها تأجيل الانتخابات في جميع الأراضي الفلسطينية، أم كان يمكن تطوير آليات بديلة تحافظ على الاستحقاق السياسي؟

ثمة فرق بين أن تفرض إسرائيل قيوداً على الانتخابات، وبين أن يتحول الرفض الإسرائيلي إلى حق عملي في تحديد موعد الاقتراع الفلسطيني.

فإذا كانت مشاركة القدس شرطاً وطنياً لا يجوز التنازل عنه، ينبغي التمييز بين التنازل عن الحق الفلسطيني في القدس وبين تعديل الوسائل الفنية لممارسة هذا الحق.

وإذا كانت الظروف في غزة لا تسمح بانتخابات تقليدية، فإن السؤال الذي كان يجب توجيهه إلى لجنة الانتخابات والحكومة والفصائل هو: ما البدائل التي دُرست؟ وما الذي تعذر تنفيذه تحديداً؟ وهل توجد خطط للتسجيل أو التصويت في مراكز بديلة أو عبر ترتيبات خاصة للنازحين، دون المساس بسرية الاقتراع ونزاهته؟

أما القول إن الإدارة الأمريكية، من خلال قنوات غير معلنة، رفضت الانتخابات في غزة باعتبارها صاحبة المسؤولية عن الترتيبات الانتقالية، فليس هناك ما يكفي لإثباته. والأمر نفسه ينطبق على الرواية بشأن تبليغ إسرائيلي رسمي شفهي برفض الانتخابات في القدس وغزة. رغم الحديث من اكثر من مصدر عن ذلك

لكن النصوص الدولية تقدم دليلاً آخر على حجم المشكلة

فقرار مجلس الأمن 2803 يجعل إدارة غزة الانتقالية مرتبطة بمجلس السلام، ويضع استعادة السلطة الفلسطينية لمسؤولياتها ضمن مسار إصلاحي وأمني محدد. وفي المقابل، ينص إعلان نيويورك على انتخابات تشمل الأراضي الفلسطينية كافة بما فيها القدس الشرقية.

وهكذا أصبح الفلسطينيون أمام مسارين دوليين يتقاطعان من دون أن يتطابقا: مسار لإدارة غزة أثناء المرحلة الانتقالية، ومسار لتجديد مؤسسات الدولة الفلسطينية عبر الانتخابات.

وكان يمكن للانتخابات أن تختبر إمكانية وصل المسارين في إطار تمثيل فلسطيني واحد، بدلاً من استمرار الفصل بين إدارة غزة والسلطة في الضفة الغربية.

لكن يجب أيضاً الاعتراف بأن انتخاب مجلس تشريعي موحد لا يؤدي تلقائياً إلى إنهاء الانقسام أو نقل السلطة التنفيذية الفعلية في غزة. فذلك يتطلب اتفاقات ملزمة بشأن الحكومة والأمن والمالية والقضاء، وقبول الجهات المسيطرة على الأرض بنتائج الانتخابات.

هل كان لدى الفلسطينيين فرصة تاريخية لتوحيد التمثيل السياسي؟

من أهم الفرص التي كان يمكن أن توفرها الانتخابات أن تعيد للقدس والضفة الغربية وقطاع غزة صفتها ككيان سياسي واحد، حتى لو حالت الظروف الميدانية دون ممارسة سلطة حكومية موحدة على جميع أراضيه.

فالأرض قد تكون مجزأة بالحواجز والاحتلال والحدود العسكرية، لكن البرلمان المنتخب وفق دائرة وطنية واحدة يستطيع، من حيث المبدأ، أن يمنح السكان تمثيلاً مشتركاً.

وقد اتجهت التعديلات الانتخابية الفلسطينية بالفعل إلى تعزيز التمثيل النسبي، وخفض نسبة الحسم إلى 1%

ومن المهم هنا توضيح تطور قانوني: ففي يونيو/حزيران 2026 صدر تعديل رفع عدد مقاعد المجلس التشريعي إلى 200، لكن تعديلاً لاحقاً في أغسطس/آب أعاد العدد إلى 132 مقعداً، مع الإبقاء على نسبة الحسم البالغة 1% وأحكام أخرى تتعلق بتمثيل النساء وشروط الترشح. وهذا ما أكدته لجنة الانتخابات المركزية في 12 أغسطس.

وكان لهذا التغيير معنى سياسي مهم، لأنه يتيح للقوى الصغيرة نسبياً التنافس على التمثيل، ويقلل احتمالات احتكار مقاعد المجلس بين حركتين فقط.

وماذا عن الفلسطينيين في الشتات؟

ينبغي هنا التفريق بين المجلس التشريعي الفلسطيني والمجلس الوطني الفلسطيني. فالتشريعي يتعلق بتمثيل المواطنين وفق القانون الانتخابي الخاص به، ولا يعني مجرد حمل الهوية الفلسطينية إمكانية التصويت أو الترشح من أي مكان دون استيفاء شروط القانون.

أما المجلس الوطني الفلسطيني، فقد صادق الرئيس عباس في 4 يونيو/حزيران 2026 على نظام انتخابي يجعل مجموع أعضائه 350، منهم 200 ممثل للأراضي الفلسطينية و150 ممثلاً للفلسطينيين في الخارج والشتات، مع اعتماد التمثيل النسبي الكامل حيث تُجرى الانتخابات.

وكان مرسوم سابق قد حدد الأول من نوفمبر/تشرين الثاني 2026 موعداً لانتخابات المجلس الوطني حيثما أمكن.

وهذا التفريق مهم لأن الفرصة الأكبر لم تكن انتخاب مجلس تشريعي جديد فقط، بل إعادة بناء التمثيل الوطني الفلسطيني على مستويين: مؤسسات الحكم في الوطن، ومنظمة التحرير التي تمثل الفلسطينيين أينما كانوا.

فلو تزامنت هذه العمليات السياسية ضمن برنامج وطني متفق عليه، لكان بالإمكان تقليص الفجوة بين الفلسطينيين في الأراضي المحتلة والشتات، من دون الادعاء أن انتخاب التشريعي وحده يمثل جميع الفلسطينيين في العالم.

هل كان يكفي نصف مليون ناخب لصناعة شرعية فلسطينية؟

تطرح هذه القضية سؤالاً يتجاوز عدد المشاركين إلى القيمة السياسية والإحصائية للاقتراع.

وبحسب رأي خبير في المسوحات واستطلاعات الرأي تحدث إلى (معا)، فإن مشاركة نحو نصف مليون ناخب في انتخابات تعتمد التمثيل النسبي يمكن أن توفر مؤشراً بالغ الدقة لاتجاهات التصويت.

ومن الضروري هنا التمييز بين الحساب الإحصائي والشرعية الانتخابية.

فلو افترضنا، نظرياً، اختيار عينة عشوائية بسيطة من 500 ألف شخص من مجتمع انتخابي كبير، فإن هامش الخطأ التقريبي لنسبة تبلغ 50% يكون نحو 0.14 نقطة مئوية عند مستوى ثقة 95%.

لكن الانتخابات ليست استطلاعاً بعينة عشوائية. فالناخبون يقررون المشاركة أو المقاطعة بأنفسهم، وقد تتأثر المشاركة بالعمر والمنطقة والانتماء السياسي والقدرة على الوصول إلى مراكز الاقتراع.

وبالتالي لا يمكن القول إن مشاركة نصف مليون ناخب تضمن هامش خطأ يقل عن 1% في تمثيل إرادة الشعب الفلسطيني كله.

ومع ذلك، فإن الانتخابات لا تستمد مشروعيتها حصراً من نسبة المشاركة، بل من قانونيتها وحرية المشاركة وتكافؤ الفرص وإمكانية المنافسة وسرية التصويت ونزاهة فرز الأصوات وقبول النتائج.

وفي المقابل، فإن مقاطعة بعض الناخبين طوعاً تختلف تماماً عن حرمانهم قسراً من التصويت بسبب الحصار أو النزوح أو القيود العسكرية.

وهنا تظهر معضلة سياسية حقيقية: هل الأفضل انتخابات يشارك فيها جزء كبير من المواطنين، مع تعذر مشاركة آخرين، أم استمرار المؤسسات دون انتخاب إلى أن تصبح مشاركة الجميع ممكنة؟

لا توجد إجابة سهلة أو آلية. لكن تأجيل الانتخابات يجب أن يكون الاستثناء الذي يستند إلى ضرورة مثبتة وخطة واضحة، لا القاعدة التي تجدد المؤسسات القائمة نفسها من خلالها.

هل كانت فتح مرشحة للفوز فعلاً؟

واحدة من أهم الفرضيات التي ينبغي اختبارها أن حركة فتح لم تكن أمام خطر هزيمة حتمية، وأن تأجيل الانتخابات ربما حرمها من فرصة سياسية كانت أفضل مما يتصور بعض صناع القرار.

وهناك بيانات تدعم جانباً من هذه الفرضية، لكن ليس جميعها.

فقد نشر المركز الفلسطيني للبحوث السياسية والمسحية في سبتمبر/أيلول 2026 تحليلاً استند إلى استطلاع أجراه في أغسطس، أظهر حصول فتح على 32% من أصوات الناخبين المرجحين، مقابل 29% لحماس و18% للقوى الأخرى، مع وجود 21% من المترددين، في سيناريو اختبار للقوائم التقليدية.

وأشار التحليل إلى تراجع حماس عن مستويات التأييد التي سجلتها في مرحلة سابقة، لكنه حذر أيضاً من تأثير انقسامات فتح وتحالفات المعارضة على توزيع المقاعد.

استطلاع المركز الفلسطيني للبحوث السياسية والمسحية؛ نسب سيناريو القوائم التقليدية، وليست نتائج انتخابات.

لا تعني هذه الأرقام فوز فتح تلقائياً، لكنها تدحض الافتراض القائل إن الحركة كانت محكومة بالهزيمة.

بل إن انتخابات بنظام التمثيل النسبي، ووجود قوائم مستقلة وصغيرة، وتراجع الثقة في القوى التقليدية، كانت قد تفتح المجال أمام مجلس تشريعي متنوع يحتاج إلى تحالفات لتشكيل أغلبية.

وهذا ربما كان أفضل للنظام السياسي الفلسطيني من استمرار سلطة تنفيذية تفتقر إلى الرقابة البرلمانية المنتخبة.

وهل كانت حماس قادرة على خوض انتخابات متكافئة؟

تواجه حماس في غزة أوضاعاً استثنائية، تشمل التداعيات العسكرية للحرب والخسائر التنظيمية والقيود الأمنية ومخاطر العمل السياسي العلني.

ويمكن افتراض أن هذه الظروف تجعل تشكيل قوائم وإدارة حملات انتخابية أمراً أشد صعوبة مما تواجهه قوى أخرى في الضفة الغربية.

لكن من غير الممكن الجزم بأن الحركة لن تجد مرشحين أو أنها ستخسر لمجرد هذه الظروف، خاصة أن التمثيل النسبي والتحالفات الانتخابية قد يسمحان لها بالمنافسة بأشكال أخرى.

كما أن انتخابات تجري في ظل خوف المرشحين من الاستهداف أو الاعتقال لا يمكن وصفها بأنها متكافئة بالكامل.

لذلك يجب اختبار فرضيتين متعارضتين: الأولى أن حماس كانت ستخسر جزءاً من قوتها الانتخابية بسبب نتائج الحرب وتراجع التأييد؛ والثانية أن القيود الأمنية قد تجعل المنافسة غير عادلة لبعض القوى، بما يؤثر في مصداقية النتائج.

والاستطلاع المشار إليه يدعم فرضية تراجع شعبية حماس، لكنه لا يثبت عجزها عن المنافسة أو يحسم نتائج الاقتراع مسبقاً.

من المستفيد من تأجيل الانتخابات؟
الإجابة هنا لا يمكن أن تعتمد على شعارات المؤيدين والمعارضين، بل على تحليل المصالح الفعلية.

المستفيد الأول: استمرار الوضع القائم

من الناحية المؤسسية، فإن أوضح مكسب مباشر من التأجيل يذهب إلى الأطراف التي تحتفظ بمواقعها وصلاحياتها دون أن تواجه اختباراً انتخابياً جديداً.

وهذه ليست بالضرورة مصلحة حركة فتح باعتبارها تنظيماً سياسياً، ولا حتى مصلحة الرئيس عباس على المدى الطويل، لكنها قد تخدم بقاء مسؤولين ومراكز نفوذ داخل النظام السياسي والإداري القائم.

فالمسؤول الذي يكتسب منصبه من تعيين أو قرار إداري، قد يرى في ظهور مجلس تشريعي منتخب تهديداً لقدرة مؤسسته على اتخاذ القرار دون مساءلة.

لكن تحويل هذا الاحتمال إلى اتهام بأن مسؤولين محددين أجلوا الانتخابات لحماية مصالح شخصية يتطلب أدلة إضافية، مثل محاضر اجتماعات، أو شهادات مباشرة من المشاركين في القرار، أو وثائق تثبت تعارض مصالح.

ومع ذلك، فإن النتيجة المؤسسية لا تحتاج إلى إثبات الدوافع الخاصة: التأجيل يبقي البنية السياسية القائمة مدة أطول دون تجديد انتخابي.

المستفيد الثاني: إسرائيل، من حيث النتيجة السياسية

لا يوجد دليل موثق أمامنا على أن إسرائيل أصدرت أمراً للقيادة الفلسطينية بتأجيل الانتخابات أو أنها نسقت هذا القرار معها.

لكن يمكن القول إن استمرار غياب مؤسسة تشريعية منتخبة تجمع الفلسطينيين، واستمرار الفصل السياسي والإداري بين غزة والضفة، يتوافقان مع هدف إضعاف القدرة الفلسطينية على العمل السياسي الموحد.

وفي هذه النقطة يجب عدم الخلط بين النتيجة والنية: قد تستفيد إسرائيل من استمرار الانقسام، دون أن يعني ذلك أنها اتخذت قرار التأجيل نيابة عن الفلسطينيين.

والسؤال الأكثر إلحاحاً هو لماذا ينبغي أن تؤدي القيود الإسرائيلية إلى تعطيل حق سياسي فلسطيني شامل، بدلاً من تحميل إسرائيل المسؤولية عنها أمام المؤسسات الدولية والسعي إلى ترتيبات بديلة؟

المستفيد الثالث: القوى الفلسطينية التي تحتاج إلى وقت إضافي

لا تنحصر المصلحة في التأجيل داخل السلطة. فحماس، على سبيل المثال، أبدت قبولاً للتأجيل في سياق المطالبة بحوار وطني شامل. كما أن تقارير سبقت المرسوم تحدثت عن مفاوضات بين حماس والجهاد الإسلامي وتيار دحلان بشأن ترتيبات وتحالفات انتخابية محتملة.

ومن الممكن أن ترى قوى متعددة أن سنة إضافية تساعدها على إعادة بناء هياكلها، وتعديل تحالفاتها، واستكمال شروط التنافس.

لكن ما قد يكون مفيداً لهذه القوى تنظيمياً ليس بالضرورة مفيداً للشعب الفلسطيني سياسياً.

فالقوى السياسية تستطيع التفاوض على مستقبلها، بينما يبقى المواطن دون وسيلة انتخابية مباشرة لمحاسبتها.

هل هناك وصايتان على فلسطين؟

عند جمع المعطيات، تظهر صورتان مختلفتان من التأثير الخارجي.

الأولى أمريكية، تتعلق بإدارة غزة الانتقالية وإعادة إعمارها وترتيباتها الأمنية، وقد حصلت على أساس قانوني دولي عبر قرار مجلس الأمن 2803.

والثانية أوروبية- فرنسية، تتعلق بدعم مؤسسات السلطة الفلسطينية وبرنامج إصلاحها وتجديد شرعيتها، في سياق الاعتراف بالدولة الفلسطينية ومسار حل الدولتين.

وتتداخل السعودية مع المسار الثاني من خلال شراكتها مع فرنسا في مؤتمر نيويورك، كما أن المبادرة الفرنسية- السعودية وردت صراحة ضمن المرجعيات المرتبطة ببرنامج إصلاح السلطة في قرار مجلس الأمن الخاص بغزة.

وهذه نقطة مهمة للغاية: المساران ليسا منفصلين تماماً؛ بل إن قرار مجلس الأمن نفسه يربط مستقبل إدارة غزة بإصلاح السلطة، ويشير إلى المبادرة الفرنسية–السعودية.

لكن وصف المسار الفرنسي بأنه وصاية رسمية على السلطة الفلسطينية يتجاوز الأدلة المتاحة. ففرنسا لا تمتلك صلاحية قانونية لإدارة مؤسسات السلطة أو تعيين قيادتها، وإن كانت تمارس تأثيراً دبلوماسياً وسياسياً مهماً.

أما مجلس السلام، فيمتلك صلاحيات انتقالية فعلية حددها القرار الدولي بشأن غزة.

وهكذا فإن القضية ليست وجود قوتين تتقاسمان فلسطين باتفاق مثبت، وإنما وجود نظامين من النفوذ والإشراف الخارجي، في وقت لم ينجح فيه الفلسطينيون في تجديد مؤسسات تمثيلهم الوطني.

والخطر أن يتحول التأجيل إلى عامل يطيل أمد هذا الواقع: فكلما تراجعت قدرة المؤسسات الفلسطينية على تقديم تفويض شعبي حديث، أصبحت الأطراف الدولية أكثر تأثيراً في تحديد شروط إصلاحها وأدوارها.

ماذا كان يمكن أن يفعل الرئيس عباس؟

من منظور سياسي، كان لدى الرئيس محمود عباس خيار آخر، وإن لم يكن مضمون النجاح.

كان يستطيع أن يتمسك بالانتخابات بوصفها حقاً سيادياً للشعب الفلسطيني، وأن يعلن أن رفض إسرائيل تنظيم الاقتراع في القدس، أو تعطيل الإجراءات في غزة، لن يتحول إلى حق في إلغاء العملية الديمقراطية الفلسطينية.

وكان يستطيع أيضاً دعوة فرنسا والاتحاد الأوروبي والأمم المتحدة والدول التي اعترفت بفلسطين إلى التعامل مع الانتخابات باعتبارها اختباراً عملياً لمدى جدية الاعتراف بالدولة وحق شعبها في اختيار ممثليه.


وإذا تعذرت المشاركة في جزء من الأراضي، كان ينبغي عرض البدائل على لجنة الانتخابات المركزية والقوى السياسية والهيئات القانونية، مع تحديد ما تسمح به القوانين وما يتطلب تعديلاً أو ترتيبات خاصة.

أما إذا أثبتت لجنة الانتخابات أن إجراء اقتراع حر وشامل أصبح مستحيلاً، فكان يمكن نشر تقييم مهني مفصل يحدد أسباب الاستحالة، والجهات التي عطلت الاقتراع، والبدائل التي جرى اختبارها، وشروط العودة إلى الانتخابات.

بهذه الطريقة، لا يكون التأجيل مجرد قرار سياسي فوقي، بل نتيجة يمكن للجمهور والمجتمع الدولي فحص ضرورتها.

لقد كان الاعتراف الدولي بالدولة الفلسطينية فرصة مهمة، لكنه لم يكن بديلاً عن شرعية مؤسساتها. وكان إجراء انتخابات، حتى وسط الظروف الصعبة، يمكن أن يمنح القيادة الفلسطينية تفويضاً سياسياً جديداً يصعب تجاهله.

فإذا لم تؤد الانتخابات إلى إنهاء الاحتلال أو الانقسام فوراً، فإنها على الأقل كانت قادرة على تحديد من يحق له التفاوض باسم المواطنين، ومن يملك حق مساءلة الحكومة، ومن يمثل التعدد السياسي داخل المجتمع الفلسطيني.

كان ذلك سيجعل الفلسطينيين طرفاً منتخباً في تقرير مستقبلهم، لا مجرد موضوع للمفاوضات التي تجري حول مستقبلهم.

الحكم على القرار.. هل كان التأجيل ضرورياً أم خطأ سياسياً؟

لفحص القرار بعدالة، ينبغي وضع حجج التأجيل في مواجهة حجج إجراء الانتخابات.
لا يمكن التقليل من مخاطر إجراء انتخابات في غزة بعد الحرب، أو في القدس وسط القيود الإسرائيلية، أو في الضفة الغربية مع استمرار الحواجز والاعتقالات والعنف.

فالانتخابات التي تُمنع فيها قوائم من الترشح، أو يُخاف فيها المرشحون من المشاركة، أو يُحرم فيها جزء كبير من الناخبين من الإدلاء بأصواتهم، قد تنتج مجلساً يفتقر إلى شرعية التمثيل التي يفترض أن توفرها العملية الديمقراطية.

لكن في المقابل، فإن التأجيل لمدة أحد عشر شهراً لا يوفر بذاته حلاً لأي من هذه المشكلات.

فلا شيء في المرسوم يضمن أن إسرائيل ستسمح بالانتخابات في القدس عام 2027، أو أن غزة ستكون قد تعافت بما يكفي، أو أن مجلس السلام سيتخلى عن ترتيباته الانتقالية، أو أن القوى الفلسطينية ستتمكن من الاتفاق على سلطة حكومية واحدة.

وهنا يضعف التبرير السياسي للتأجيل: إذا لم يكن هناك تصور قابل للتنفيذ لمعالجة الموانع، فإن تغيير التاريخ لا يعني إزالة أسباب المشكلة.

بل ربما يكون قد نقل الأزمة نفسها من نوفمبر 2026 إلى سبتمبر 2027، مع خسارة إضافية في الثقة والشرعية.

أي الكفتين أرجح؟

على أساس الأدلة المتاحة، ترجح كفة الحفاظ على الاستحقاق الانتخابي وإعادة النظر في قرار التأجيل، مع عدم التضحية بالحد الأدنى من النزاهة والشمول.

ذلك أن المكاسب المؤكدة تقريباً من التأجيل تتمثل في استمرار البنية السياسية القائمة وإتاحة وقت إضافي للمفاوضات والتحضيرات، بينما تُضاف إلى خسائره المؤكدة إرجاء تجديد المؤسسات واستمرار غياب الرقابة التشريعية المنتخبة.

أما المبررات المتعلقة بتحسن الظروف بعد أحد عشر شهراً، فما زالت رهانات على تطورات مستقبلية غير مضمونة.

ولذلك فإن الخيار الأفضل كان، وما زال، مطالبة القيادة الفلسطينية ولجنة الانتخابات والفصائل بإعداد خطة تنفيذية علنية لإنجاز الانتخابات في أقرب موعد عملي ممكن، تتضمن معالجة مشاركة القدس وغزة، وضمان حق المرشحين، والمراقبة الدولية، وآليات التعامل مع أي تعطيل إسرائيلي.

وينبغي ألا يكون التأجيل مقبولاً إلا إذا أثبت تقييم مستقل أن البدائل العملية غير قابلة للتنفيذ دون المساس الجسيم بحرية الانتخابات ونزاهتها.

هل فقد الفلسطينيون فرصة تاريخية؟

ثمة مقولة تقول إن من أراد تدمير نفسه انشغل كثيراً بالتفاصيل. وقد تكون المبالغة في الانشغال بالتفاصيل خطيرة عندما تحجب عن أصحاب القرار الصورة الكبرى.

ففي لحظة تاريخية شهدت اعترافات دولية جديدة بدولة فلسطين، ومبادرات لإعادة بناء المؤسسات، واهتماماً غير مسبوق بمستقبل الحكم في غزة، كان الفلسطينيون يحتاجون إلى ما هو أكثر من دعم خارجي أو وعود بالإصلاح. كانوا يحتاجون إلى إعادة إنتاج شرعيتهم السياسية بأنفسهم.

لقد كان بالإمكان تحويل الانتخابات إلى معركة سياسية وقانونية أمام العالم: إما أن تُحترم إرادة الفلسطينيين في القدس والضفة وغزة، أو أن يتحمل من يعطلها مسؤولية انتهاك حقهم الديمقراطي.

لكن التأجيل أعاد ترتيب الأولويات بصورة معاكسة: عوضاً عن مطالبة الخارج بضمان ممارسة الفلسطينيين حقهم في الاختيار، أصبح على القيادة الفلسطينية أن تشرح للخارج سبب عدم وفائها بتعهدها بإجراء الانتخابات.

وهي مفارقة قاسية، لأن الشعب الفلسطيني الذي يطالب العالم بالاعتراف بحقه في إقامة دولته، يجد نفسه مطالباً بالانتظار مجدداً قبل أن يُسمح له باختيار ممثليه.

ولا تثبت الأدلة أن قرار التأجيل جاء نتيجة مؤامرة دولية واحدة أو صفقة سرية شاملة، كما لا تثبت أن المصالح الشخصية كانت الدافع الوحيد وراءه. لكنها تشير بوضوح إلى أن استمرار غياب الانتخابات يخدم بقاء مراكز النفوذ القائمة، ويُبقي الفلسطينيين أكثر تعرضاً لترتيبات خارجية في إدارة مستقبلهم.

والأهم من ذلك أن التأجيل لا يقدم ضمانة جدية بأن تكون الظروف بعد أحد عشر شهراً أفضل مما هي عليه الآن.

ولهذا فإن النتيجة التي يصل إليها هذا التحقيق هي أن المصلحة الوطنية الفلسطينية ترجح إجراء الانتخابات، لا تأجيلها المفتوح على احتمالات جديدة. أما إذا كانت هناك استحالة ميدانية حقيقية، فيجب إثباتها علناً، وتحديد المسؤول عنها، ووضع خطة ملزمة لتجاوزها، لا الاكتفاء بتغيير الموعد.

فالانتخابات ليست ضمانة لإنهاء الانقسام أو الاحتلال، لكنها الوسيلة الديمقراطية الأساسية ليقرر الفلسطينيون من يتحدث باسمهم.

ويبقى السؤال الذي بدأ من لندن في أبريل 2025 حاضراً بعد عام ونصف: إذا كان هناك من يعتقد أن الفلسطينيين لا يستطيعون حكم أنفسهم، فهل نواجه هذا الادعاء بمنحهم فرصة اختيار من يحكمهم، أم نمنحه مزيداً من الأدلة كلما أجّلنا الانتخابات؟





وقت آخر تعديل: 2026-10-12 20:48:08