الرابعة نيوز- غزة _سعدية عبيد : منذ اندلاع الحرب على قطاع غزة في السابع من أكتوبر 2023، لم يعد الفقد حدثًا استثنائيًا في حياة الفلسطينيين، بل تحوّل إلى واقع يومي يتكرر بلا توقف. وفي قلب هذه المأساة المتواصلة، يقف الأطفال بوصفهم الفئة الأكثر هشاشة، بعدما وجد عشرات الآلاف منهم أنفسهم فجأة بلا أب أو أم، أو دون كليهما، في مواجهة قاسية مع اليُتم وواقع يفتقر إلى الأمان والرعاية وأي أفق واضح للمستقبل.
يُتم بلا أرقام نهائية
في ظل استمرار الحرب، وتعطّل المؤسسات الرسمية، وانهيار منظومات التوثيق، لا تزال الإحصاءات الدقيقة حول أعداد الأيتام في قطاع غزة غير مكتملة. غير أن تقديرات المؤسسات العاملة في الميدان تشير إلى ارتفاع غير مسبوق في أعداد الأطفال الذين فقدوا أحد والديهم أو كليهما، ليصل العدد إلى عشرات الآلاف.
هذا الفقد لا يُقاس بالأرقام وحدها؛ فغياب الوالد أو الوالدين يعني فقدان مصدر الحماية العاطفية، والاستقرار الاجتماعي، والقدرة على تلبية الاحتياجات الأساسية، في بيئة تعاني أصلًا من الحصار، والفقر، والنزوح المتكرر، والدمار الواسع.
معهد الأمل… ذاكرة نكبة تتجدد
يقول الدكتور نضال جمال جرادة، مدير معهد الأمل للأيتام، إن المفارقة الزمنية المؤلمة تكمن في أن المعهد أُسِّس عام 1949 عقب نكبة 1948 ليكون ملاذًا لأيتام تلك المرحلة، “وها هو اليوم، بعد أكثر من سبعة عقود، يواجه حربًا أشد قسوة، تُعيد إنتاج اليُتم على نطاق غير مسبوق”.
ويضيف جرادة أن قاعدة بيانات المعهد توثق نحو 45 ألف طفل فقدوا أحد والديهم أو كليهما منذ بدء الحرب الحالية، يضاف إليهم قرابة 14 ألف طفل يتيم من ضحايا الحروب السابقة، ليصل العدد الإجمالي إلى نحو 60 ألف طفل يتيم في قطاع غزة، وفق سجلات المعهد.
أشكال جديدة من اليُتم
لم يعد اليُتم في غزة يقتصر على فقدان الأب أو الأم، بل ظهرت أنماط أكثر تعقيدًا، من بينها أطفال فقدوا والديهم والأسرة الممتدة بالكامل، إضافة إلى فئة مؤلمة تعيش ما يُعرف بـ“الفقد المعلّق”، حيث لا يعلم الأطفال حتى اللحظة ما إذا كان آباؤهم على قيد الحياة أم لا، في ظل فقدان الاتصال وانعدام أي معلومات مؤكدة.
خدمات محدودة أمام احتياجات هائلة
منذ تأسيسه، يقدم معهد الأمل للأيتام حزمة من الخدمات الأساسية، تشمل الإيواء، حيث يقيم حاليًا في مقراته نحو 1300 طفل، إلى جانب برامج الكفالة النقدية، والمساعدات العينية، والدعم النفسي والاجتماعي. كما يضم المعهد مدرسة متكاملة يرتادها قرابة 800 طفل.
ورغم امتداد خدمات المعهد لتشمل مختلف مناطق قطاع غزة من شماله إلى جنوبه، إلا أن حجم الاحتياجات المتزايدة يفوق بكثير الإمكانيات المتاحة، في ظل التزايد المستمر في أعداد الأيتام وتعقيد أوضاعهم الإنسانية والنفسية.
نداء مفتوح
ويختتم مدير معهد الأمل للأيتام حديثه بتوجيه نداء عاجل إلى المجتمع المحلي والإقليمي والدولي، بضرورة إدراج شريحة الأيتام ضمن أولويات التدخل الإنساني، مؤكدًا أن هذه الفئة تمثل مستقبل المجتمع الفلسطيني، وأن إهمالها اليوم يهدد الاستقرار الاجتماعي ويُعمّق الأزمات في السنوات القادمة.
في غزة، لا يُقاس اليُتم بالوثائق الرسمية أو بالأرقام ، بل بملامح أطفال فقدوا الطمأنينة، ونساء يحملن أثقال الفقد والصمود معًا. وبين حرب مستمرة وواقع إنساني يزداد قسوة، يبقى السؤال مفتوحًا: إلى متى سيبقى أطفال غزة بلا حماية حقيقية، في عالم يكتفي بمراقبة المأساة دون تدخل يرقى لحجمها؟